`
العيد بين الماضي والحاضر … بقلم الأستاذ يوسف الشيزاوي

العيد بين الماضي والحاضر … بقلم الأستاذ يوسف الشيزاوي

مقال العيد بين الماضي والحاضر بقلم الأستاذ يوسف الشيزاوي من سلطنة عُمان

إيسايكو: العيد بين الماضي والحاضر … بقلم الأستاذ يوسف الشيزاوي  


 

3ec3311a-6c32-4aba-ad68-7adcaffd9ca7.jpeg  


 

في زمنٍ مضى، كان العيد مناسبة تُفتح لها القلوب قبل الأبواب، وتُهيأ لها البيوت قبل أيامٍ طويلة . كانت رائحة القهوة والهيلتعبق في الأزقة، وصوت الأطفال يملأ الحارات فرحاً، بينما يجتمع الكبار في المجالس يتبادلون التهاني والدعوات الصادقة . لم يكن العيد مجرد يومٍ عابر، بل كان حالة اجتماعية متكاملة تُعيد للأسر ترابطها، وللناس دفء علاقاتهم، وللمجتمع روحالمحبة والتسامح .  

كان الناس سابقاً يستقبلون العيد ببساطة جميلة؛ الملابس تُفصل عند الخياط، والحلوى تُصنع في البيوت، والزيارات تمتدمن الصباح حتى آخر الليل دون مواعيد مسبقة أو رسائل إلكترونية . وكانت “العيدية” رمزاً للفرح، لا بقيمتها المادية، بلبمعناها الإنساني الذي يرسم الابتسامة على وجوه الأطفال . حتى جلسات العيد كانت مليئة بالأحاديث الحقيقية، بعيداً عنشاشات الهواتف وضجيج العالم الافتراضي .  

أما اليوم، فقد تبدلت الكثير من التفاصيل . أصبحت التهاني تُرسل بضغطة زر، واللقاءات تقلصت، وانشغل كثير من الناسبالتصوير والنشر أكثر من عيش اللحظة نفسها . لم يعد الطفل ينتظر باب البيت ليطرق على الجيران، بل ينتظر إشعاراً فيهاتفه . ومع تسارع الحياة، تغيّرت الأولويات والعادات، وأصبح العيد عند البعض إجازة للراحة أو السفر أكثر من كونهمناسبة اجتماعية وروحية .  

لكن من الخطأ أن ننظر إلى هذا التغيّر وكأنه انهيار للقيم أو نهاية للجمال القديم . فالحياة بطبيعتها تتطور، والإنسانمطالب بأن يتطور معها . ليست المشكلة في تغيّر العادات، بل في فقدان المعاني الجميلة التي كانت تحملها . التكنولوجياليست عدواً، بل وسيلة يمكن أن تُستخدم لتعزيز التواصل بدلاً من قطعه، ولتقريب الناس بدلاً من إبعادهم .  

إن الأجيال الجديدة تعيش زمناً مختلفاً، بلغته وأدواته وأسلوبه، ولا يمكن مطالبتها بأن تعيش كما عاش الأجداد حرفياً . الحكمة ليست في مقاومة التغيير، بل في الحفاظ على الجوهر الإنساني وسط هذا التغيير . فمن الممكن أن نجمع بينالحداثة والأصالة، وأن نحافظ على صلة الرحم والاحترام والفرح الحقيقي، حتى وإن اختلفت الطرق والأساليب .  

العيد سيبقى عيداً ما دامت القلوب قادرة على المحبة، وما دام الإنسان يتذكر أن أجمل ما في المناسبات ليس ت المظاهر،بل المشاعر الصادقة . وبين الماضي الجميل والحاضر المتسارع، تبقى المسؤولية على الإنسان نفسه : أن يتطور بعقله، دونأن يفقد دفء روحه .  

يشارك:

اترك تعليقًا

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية محددة بعلامة *

إعلان 3