رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصحفُ … بقلم الأستاذة ولاء الحربي
مقال بقلم الأستاذة ولاء الحربي من السعودية
إيسايكو: رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصحفُ … بقلم الأستاذة ولاء الحربي

أقبل شهر القرآن كعادته كل عام، يُقبل ويمضي سريعًا… ضيفًا خفيفًا، يطرق أبواب قلوبنا ثم يهمُّ بالرحيل قبل أن نرتوي من نوره. وما إن نعتاد صيامه وقيام ليله، حتى نشعر أن أيامه عجلى تتسلل من بين أيدينا بهدوء، وكأن الزمن فيه أقصر، وكأننا لم نبحر في تفاصيله الروحانية كما ينبغي.
رمضان ليس مجرد أيام نصوم فيها عن طعام وشراب، بل هو فرصة عظيمة للتغيير، وموسم مفتوح لمراجعة النفس، وإعادة ترتيب الأولويات، وتصحيح المسار. فيه تُضاعف الحسنات، وتُقال العثرات، وتُفتح أبواب السماء لدعواتٍ ربما انتظرت عامًا كاملًا لتُستجاب.
وهنا يتجلّى المعنى العميق: رُفِعت الأقلام وجفّت الصحف. فالأقدار مكتوبة، والأعمار محددة، ولا يعلم أحدٌ هل يدرك رمضان القادم أم يكون هذا آخر عهده به. لذلك فالعاقل من يغتنم أيامه ولياليه، ويستثمر ساعاته فيما ينفعه عند الله، قبل أن يُطوى كتاب عمله. رمضان فرصة لترك ذنبٍ اعتدناه، وبداية لطاعةٍ طالما أرجأناها، ولقلبٍ أنهكته الدنيا فأراد أن يعود. هو محطة إيمانية عظيمة؛ من أحسن استغلالها خرج منها بروحٍ جديدة، ومن فرّط فيها خسر موسمًا قد لا يتكرر.
ومع أنه يزورنا كل عام، إلا أنه يأتي مختلفًا… ليس لأمرٍ جديد، بل لأن بعض الوجوه التي كانت تملؤه دفئًا لم تعد بيننا. ربما نفتقد كلماتٍ وضحكاتٍ حول المائدة، وأصواتًا مألوفة تدعو لنا قبل الإفطار. كان وجودهم معنا يعني الكثير في التفاصيل الصغيرة؛ في دعوةٍ صادقة، أو نظرةٍ حانية، أو كلمةٍ بسيطة تحمل حبًا عميقًا. واليوم، لا يزال المكان كما هو، لكن شيئًا في القلب يخبرنا أن كل شيء قد تغيّر.
في هذا الشهر يتضاعف الشعور، أيًّا كان نوعه؛ لأن رمضان ليس مجرد أيامٍ تُعاش، بل مشاعر تُشارك، وأرواح تتقارب. نتذكرهم عند أذان المغرب، وعند ارتشاف أول رشفة ماء، وعند سجدةٍ نطيلها بالدعاء. تمرّ وجوههم قبل أسمائهم، وفي قلوبنا قبل ألسنتنا، ونشعر أن الدعاء لهم أصبح جزءًا من عبادتنا.
وفي آخر الشهر، لا ينبغي أن يكون الحزن على رحيله بقدر ما يكون القلق: هل قُبل منا؟ هل تغيّرت قلوبنا فعلًا، أم أننا سنعود كما كنا؟ هل تركنا أثرًا طيبًا فيمن حولنا، أم كان رمضان مجرد عادة موسمية تنتهي بانتهاء أيامه؟
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، فإن كُتب لنا عمرٌ إلى رمضان آخر، فليجدنا الله أفضل حالًا.
وإن لم يُكتب… فنسأل الله أن نكون ممن رُفعت أعمالهم وهو عنهم راضٍ.
رُفِعت الأقلام وجفّت الصحف…
لكن ما زال في العمر بقية، وما زالت في الصدر أنفاس، وما دام القلب ينبض فباب التوبة مفتوح.
اللهم لا تجعل هذا آخر عهدنا برمضان، وإن كان… فاختم لنا بخير، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وكل عام ونحن الى الله اقرب .
ولاء بنت متعب الحربي
اخصائي اول في علم النفس العيادي
وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية