`

إيسايكو: مايو حين تصبح الصحة النفسية حديثًا إنسانيًا لا ترفًا مؤجلًا … بقلم الأستاذة نوف الدوسري 


 

IMG_0117.png 


 

يمضي الإنسان أحيانًا في حياته وهو يعتني بكل شيء من حوله، إلا نفسه، يجري خلف المسؤوليات، ويجامل ضغوط الأيام،ويحاول أن يبدو بخير حتى في اللحظات التي يوشك فيها داخله على الإنهاك ، ولهذا لم يكن تخصيص شهر مايو للتوعيةبالصحة النفسية أمرًا عابرًا، بل رسالة عالمية تؤكد أن النفس البشرية تحتاج هي الأخرى إلى عناية واهتمام ومساحة آمنةللحديث والتعافي . 


 

فمنذ عام 1949 أطلقت الجمعية الأمريكية للصحة النفسية Mental Health America مبادرة “شهر التوعية بالصحةالنفسية” خلال شهر مايو من كل عام، بهدف رفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية الصحة النفسية، وتقليل الوصمةالمرتبطة بالاضطرابات النفسية، وتشجيع الأفراد على طلب الدعم والمساندة دون خوف أو خجل . 


 

ومع مرور السنوات، لم تعد الصحة النفسية قضية تُناقش في العيادات فقط، بل أصبحت جزءًا من النقاشات اليومية فيالمدارس والجامعات ووسائل الإعلام وحتى داخل البيوت . فالعالم اليوم يعيش تسارعًا هائلًا في الضغوط والتغيرات، الأمرالذي جعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والتوتر والإرهاق النفسي، خاصة في ظل الحياة الرقمية المتسارعة . 


 

لقد غيّرت الشاشات شكل العلاقات الإنسانية، وأصبح كثير من الناس يعيشون داخل دوامة المقارنة المستمرة؛ مقارنةالمظهر، والنجاح، والحياة الاجتماعية، وحتى المشاعر . ومع الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، بات البعضيشعر بأنه أقل قيمة أو أقل نجاحًا لمجرد أنه يرى الصورة المثالية التي يعرضها الآخرون ، وهنا تبدأ مشاعر القلق وضعفتقدير الذات والعزلة النفسية بالتسلل بهدوء إلى الداخل . 


 

ولا تقتصر آثار الضغوط النفسية على المشاعر فقط، بل تمتد إلى التركيز والنوم والعلاقات الاجتماعية والقدرة على الإنجاز . فالإنسان المرهق نفسيًا قد يبدو صامتًا من الخارج، لكنه يخوض في داخله معركة يومية لا يراها أحد . 


 

ومن أكثر المفاهيم التي يحتاج المجتمع إلى ترسيخها أن طلب المساعدة النفسية لا يعني الضعف أبدًا، بل يعكس قدرًا عاليًامن الوعي والشجاعة . فكما يلجأ الإنسان إلى الطبيب عند الألم الجسدي، فإنه يحتاج أحيانًا إلى مختص يساعده على فهممشاعره وإدارة ضغوطه بطريقة صحية ومتوازنة . 


 

كما أن للأسرة والمدرسة دورًا جوهريًا في حماية الصحة النفسية، من خلال بناء بيئة تقوم على الحوار والاحتواء والاستماع،بعيدًا عن التقليل من المشاعر أو السخرية منها . فالكلمة الداعمة قد تُحدث أثرًا نفسيًا عميقًا، والاحتواء أحيانًا يكون علاجًاقبل أي تدخل آخر . 


 

إن شهر مايو لا يذكّرنا فقط بوجود اضطرابات نفسية تحتاج إلى اهتمام، بل يذكّرنا أيضًا بأن الإنسان يحتاج إلى التوازن، وإلىالتوقف قليلًا للاهتمام بنفسه وسط صخب الحياة ، فالصحة النفسية ليست رفاهية كما يظن البعض، بل أساس حقيقيلاستقرار الإنسان وقدرته على الاستمرار والعطاء ومواجهة الحياة بصورة أكثر اتزانًا وطمأنينة . 


 

أ . نوف خليفة الدوسري 

يشارك:
إعلان 3