المدرب المُيسِّر… لماذا تحتاجه برامج التدريب المهني لتحقيق رؤية الكويت 2035؟ بقلم الدكتورة ابتسام النومس
إيسايكو: المدرب المُيسِّر… لماذا تحتاجه برامج التدريب المهني لتحقيق رؤية الكويت 2035؟ بقلم الدكتورة ابتسام النومس من خلال خبرتي كمدرب ميسّر وخبير في التدريب المهني. أرى أنه لم تعد جودة البرامج التدريبية تُقاس بعدد الساع
إيسايكو: المدرب المُيسِّر… لماذا تحتاجه برامج التدريب المهني لتحقيق رؤية الكويت 2035؟ بقلم الدكتورة ابتسام النومس

من خلال خبرتي كمدرب ميسّر وخبير في التدريب المهني.
أرى أنه لم تعد جودة البرامج التدريبية تُقاس بعدد الساعات أو كثافة المحتوى، بل بمدى قدرتها على إحداث تغيير حقيقي في أداء المتدرّب وسلوكه المهني. وتشير العديد من الدراسات الحديثة في مجال التعليم والتدريب المهني إلى أن الأساليب التقليدية المعتمدة على الإلقاء لم تعد كافية لإعداد كوادر قادرة على مواكبة متطلبات سوق العمل المتغيّر. ومن هنا، يبرز مفهوم المدرب المُيسِّر كأحد أهم التحولات النوعية في منظومة التدريب الحديثة.
تؤكد أبحاث صادرة عن مؤسسات تعليمية وتدريبية عالمية، من بينها دراسات في مجال التعلّم النشط والتدريب القائم على الكفاءة، أن المتدرّبين يحتفظون بنسبة أعلى من المعرفة ويطوّرون مهارات أعمق عندما يكونون مشاركين فاعلين في عملية التعلّم، لا مجرد متلقين للمعلومة. وتشير بعض هذه الدراسات إلى أن التعلم التفاعلي يرفع مستوى الاستيعاب والتطبيق العملي مقارنة بالتدريب التقليدي، خاصة في البرامج المهنية والتطبيقية.
في هذا السياق، يختلف دور المدرب المُيسِّر جذريًا عن دور المدرب التقليدي. فالمدرب التقليدي يركّز على شرح المحتوى ونقله، بينما يعمل المدرب المُيسِّر على تيسير عملية التعلّم من خلال إدارة الحوار، وتصميم الأنشطة التطبيقية، وطرح الأسئلة التي تحفّز التفكير، وربط التدريب بواقع العمل الفعلي. هذا الأسلوب لا ينقل المعرفة فحسب، بل يبني المهارة، ويعزّز الثقة، وينمّي القدرة على حل المشكلات.
وتنسجم هذه المقاربة بشكل مباشر مع رؤية الكويت 2035، التي أكدت في محاورها الأساسية على تنمية رأس المال البشري، وتحسين جودة التعليم والتدريب، ومواءمة مخرجاته مع احتياجات سوق العمل. فالرؤية لا تستهدف تخريج حملة شهادات فقط، بل تسعى إلى إعداد كوادر وطنية تمتلك الكفاءة، والمرونة، والقدرة على الإنتاج والمنافسة.
ومن خلال التجربة المهنية في بيئات تدريبية مختلفة، يتّضح أن المتدرّبين الذين يخوضون جلسات تيسيرية يظهرون مستويات أعلى من التفاعل، والالتزام، والقدرة على تطبيق ما تعلّموه في مواقف العمل الحقيقية. وهو ما تدعمه أيضًا بحوث متخصصة في التدريب المؤسسي، تشير إلى أن التعلم القائم على المشاركة والممارسة يساهم في تقليص الفجوة بين التدريب النظري ومتطلبات الوظيفة.
وتؤدي الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب دورًا محوريًا في إعداد الكوادر الوطنية لسوق العمل، لا سيما في القطاعات المهنية والتطبيقية. ومن هذا المنطلق، فإن اعتماد نموذج المدرب المُيسِّر داخل البرامج التدريبية يمثّل خطوة استراتيجية تدعم توجهات الدولة نحو تحسين جودة المخرجات البشرية، وتعزيز جاهزية الخريجين للانخراط الفعّال في بيئات العمل المختلفة.
كما أن التيسير في التدريب يسهم في تنمية المهارات السلوكية التي تؤكد الدراسات الحديثة أهميتها، مثل العمل الجماعي، والتواصل، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، وهي مهارات باتت من المتطلبات الأساسية في سوق العمل الحديث، وتشكّل عنصرًا رئيسيًا في تحقيق الاستدامة المؤسسية والاقتصادية.
الرسالة، إن الانتقال من نموذج التدريب التقليدي إلى نموذج المدرب المُيسِّر لم يعد مجرد توجه تربوي حديث، بل ضرورة تفرضها نتائج الدراسات، ومتطلبات سوق العمل، وطموحات رؤية الكويت 2035. فالاستثمار في إعداد مدرّبين ميسّرين مؤهّلين، وتمكينهم داخل منظومة التدريب المهني، هو استثمار مباشر في الإنسان الكويتي، وفي بناء مستقبل قائم على الكفاءة والإنتاج والتنمية المستدامة.
الدكتورة ابتسام عباس النومس
اترك تعليقًا
لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية محددة بعلامة *