`
المقارنة بين الأبناء… جرحٌ لا تراه العين … بقلم الأستاذة نوف الدوسري

المقارنة بين الأبناء… جرحٌ لا تراه العين … بقلم الأستاذة نوف الدوسري

مقال بقلم الأستاذة نوف الدوسري من الكويت

إيسايكو: المقارنة بين الأبناء… جرحٌ لا تراه العين … بقلم الأستاذة نوف الدوسري

 

img-0231-1.png

 

قد يظن بعض الآباء والأمهات أن مقارنة طفل بآخر وسيلة فعالة لتحفيزه، فيقولون: «انظر إلى أخيك كيف يذاكر»، أو «لماذا لا تكون مثل أختك؟». قد تبدو هذه العبارات عابرة، وربما تُقال بحسن نية، إلا أن أثرها النفسي قد يمتد لسنوات، لأن الطفل لا يسمع منها دعوة إلى الاجتهاد، بل يسمع رسالة خفية مفادها: «أنت لست جيدًا بما يكفي.»

المقارنة لا تدفع الطفل إلى اكتشاف إمكاناته، بل تدفعه إلى قياس قيمته بالآخرين. ومع مرور الوقت، يصبح النجاح وسيلة للحصول على القبول، بينما يتحول الفشل إلى دليل في نظره على أنه أقل قيمة ممن يُقارَن بهم. وهنا تبدأ الثقة بالنفس بالتآكل بصمت، ويصبح الطفل أكثر حساسية للنقد، وأكثر خوفًا من الخطأ، وربما أقل رغبة في المحاولة أصلًا.

ولا تتوقف آثار المقارنة عند الطفل الذي يُنظر إليه على أنه الأقل تميزًا، بل تمتد أيضًا إلى الطفل الذي يُقدَّم دائمًا بوصفه المثال الأفضل. فهذا الطفل قد يعيش تحت ضغط دائم للمحافظة على صورته، ويشعر أن قيمته مرتبطة باستمرار تفوقه، مما يجعله أكثر عرضة للقلق والخوف من الإخفاق. وهكذا يخسر الطرفان، وتتحول العلاقة بين الإخوة من علاقة دعم ومودة إلى منافسة غير صحية.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن العنف النفسي، الذي يشمل أنماطًا متكررة من الإهانة أو التقليل من شأن الطفل أو إشعاره بعدم الكفاية، يترك آثارًا طويلة المدى على الصحة النفسية والنمو الانفعالي. كما تشير المنظمة إلى أن مئات الملايين من الأطفال حول العالم يتعرضون لأشكال من العنف النفسي داخل بيئتهم الأسرية، مما يجعل تبني أساليب تربوية قائمة على الاحترام والدعم النفسي ضرورة لا خيارًا. (World Health Organization)

إن الأطفال لا يحتاجون إلى أن يكونوا نسخة من أحد، بل يحتاجون إلى من يرى في كل واحد منهم شخصيته الفريدة وقدراته الخاصة. فلكل طفل سرعة مختلفة في التعلم، وطريقة مختلفة في التعبير، وموهبة قد لا تشبه موهبة أخيه أو أخته. وعندما نقارن بينهم فإننا نتجاهل هذه الفروق الطبيعية، ونزرع في نفوسهم شعورًا بالظلم أو النقص أو حتى الغيرة.

التربية الواعية لا تقارن طفلًا بغيره، وإنما تقارن الطفل بنفسه. هل أصبح اليوم أفضل مما كان عليه بالأمس؟ هل تقدم خطوة جديدة؟ هل اكتسب مهارة أو قيمة أو عادة إيجابية؟ هذه هي المقارنات التي تبني الشخصية وتعزز الدافعية، لأنها تجعل الطفل ينافس ذاته لا الآخرين.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقدمه الوالدان لأبنائهما هو أن يشعر كل طفل بأنه محبوب ومقبول لذاته، لا لأن درجاته أعلى، ولا لأن سلوكه يشبه سلوك أخيه. فالعدل بين الأبناء لا يعني أن نجعلهم متشابهين، بل أن نعترف باختلافهم، ونمنح كل واحد منهم الفرصة لينمو وفق قدراته، في بيئة يشعر فيها بالأمان والتقدير والانتماء.

أ. نوف خليفة الدوسري
ماجستير الإرشاد النفسي – جامعة الكويت

يشارك:
إعلان 3