إيسايكو: حين نؤذي أنفسنا كي لا نجرح من نحب : الصراع الصامت بين الحب والحدود النفسية … بقلم الأستاذة نوف الدوسري

من المفارقات التي تستحق التأمل في العلاقات الإنسانية أن الإنسان قد يمتلك القدرة على الدفاع عن حقوقه والتعبير عنرفضه في مواقف عديدة، لكنه يجد نفسه عاجزًا عن قول كلمة « لا » أمام الأشخاص الذين يحبهم . فقد يتنازل عن راحته،ويتجاهل احتياجاته، ويتحمل ما يفوق طاقته، خشية أن يجرح مشاعرهم أو يفقد مكانته في قلوبهم . وهنا يبرز تساؤل نفسيمهم : لماذا يصبح وضع الحدود أكثر صعوبة كلما ازدادت مشاعرنا تجاه الآخرين؟
تقوم العلاقات الإنسانية الصحية على المودة والاحترام والتفاهم، غير أن بعض الأشخاص يخلطون بين الحب والتضحيةالمستمرة، فيعتقدون أن المحبة الحقيقية تعني الاستجابة الدائمة لرغبات الآخرين، وأن الرفض قد يُفسر باعتباره أنانية أوتقصيرًا . ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا الاعتقاد إلى نمط سلوكي يجعل الفرد يقدم احتياجات من يحب على احتياجاتهالشخصية، حتى وإن كان الثمن استنزافه النفسي والعاطفي .
ومن منظور علم النفس، قد ترتبط صعوبة وضع الحدود بخبرات التنشئة المبكرة، خصوصًا عندما يتعلم الفرد أن القبولوالتقدير يرتبطان بالطاعة وإرضاء الآخرين . وقد يحمل هذا التصور إلى علاقاته اللاحقة، فيصبح حريصًا على تجنب الخلاف،ويشعر بالذنب كلما حاول التعبير عن احتياجاته أو رفض ما لا يناسبه .
ويزداد هذا الصراع تعقيدًا حين يرتبط الحب بالخوف من الفقد؛ فبعض الأشخاص لا يخشون قول « لا » بقدر ما يخشونتبعاتها، كالغضب أو الابتعاد أو تغير مشاعر الطرف الآخر . ولذلك يفضلون الصمت على المواجهة، والتنازل على احتمالخسارة العلاقة . والمفارقة أن بعض هذه المخاوف قد تكون نابعة من توقعاتهم الداخلية، لا من مواقف حقيقية صدرت عنالآخرين .
ومع تكرار هذا النمط، قد تبدأ مشاعر الاستياء والإرهاق بالتراكم بصورة تدريجية . فالإنسان الذي يوافق باستمرار على ما لايريده، ويتحمل ما لا يستطيع، قد يجد نفسه أمام حالة من الاستنزاف العاطفي، يشعر خلالها بأنه يقدم الكثير دون أنيحصل على القدر نفسه من التفهم أو التقدير . وقد تنشأ لديه مشاعر غضب تجاه الأشخاص الذين يحبهم، رغم أنهم ربما لايدركون أصلًا حجم التنازلات التي يقدمها، لأنه لم يعبّر بوضوح عن حدوده واحتياجاته .
وهنا تظهر إحدى المفارقات النفسية في العلاقات؛ إذ إن السلوك الذي يمارسه الفرد حفاظًا على المحبة قد يتحول معالوقت إلى أحد أسباب توتر العلاقة . فالصمت المستمر عن الاحتياجات لا يؤدي بالضرورة إلى استمرار الانسجام، والتضحيةغير المتوازنة لا تضمن عمق الارتباط، بل قد تخلق فجوة بين ما يظهره الإنسان من رضا وما يشعر به من ضيق .
ومن المهم إدراك أن الحدود النفسية لا تعني القسوة أو الأنانية، وإنما تعكس قدرة الإنسان على تحديد احتياجاته والتعبيرعنها بوضوح واحترام . فالإنسان يستطيع أن يحب دون أن يوافق على كل شيء، وأن يتعاطف دون أن يتحمل مسؤولية مشاعرالآخرين في جميع المواقف، وأن يرفض طلبًا دون أن يكون رفضه للشخص ذاته .
غير أن بناء هذه الحدود قد يصاحبه شعور بالذنب، خاصة لدى من اعتادوا إرضاء الآخرين على حساب أنفسهم . ولذلك فإنالنضج العاطفي يتطلب التمييز بين التضحية التي تنبع من رغبة صادقة في العطاء، والتضحية التي يحركها الخوف منالرفض أو الفقد . فليس كل تنازل ضعفًا، كما أن العلاقات لا تستقيم دون مرونة، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التنازلواجبًا دائمًا يفقد معه الإنسان حقه في الاختيار .
إن العلاقات الصحية لا تقوم على إلغاء الذات، بل على التوازن بين القرب والاستقلال، وبين مراعاة مشاعر الآخرين واحتراماحتياجاتنا الشخصية . فالمحبة الحقيقية لا ينبغي أن تجعل الإنسان في صراع مستمر بين الحفاظ على علاقاته والحفاظ علىسلامه النفسي .
وربما يكون أصعب ما نتعلمه في علاقاتنا أن قول « لا » لمن نحب لا يعني أننا أقل محبة، بل قد يكون تعبيرًا عن احترامنالذواتنا، وإيماننا بأن العلاقة التي تتسع للحب ينبغي أن تتسع أيضًا للحدود .
الأستاذة نوف خليفة الدوسري