`
حين تصبح الشهرة بابًا للخير … بقلم الدكتورة هلا السعيد

حين تصبح الشهرة بابًا للخير … بقلم الدكتورة هلا السعيد

مقال بقلم الدكتورة هلا السعيد من قطر

إيسايكو: حين تصبح الشهرة بابًا للخير … بقلم الدكتورة هلا السعيد

 

img-0268.png

 

أحيانًا أتوقف أمام مقطع على وسائل التواصل الاجتماعي، وأشعر أن هذه الشاشة الصغيرة تستطيع أن تفتح بابًا كبيرًا للخير. نداء يصل إلى شخص، ثم ينتقل إلى آخر، وفجأة تجد أسرة من يساندها، ويجد مريض من يقف بجانبه، وتستعيد أم شيئًا من طمأنينتها بعدما أثقلها السؤال: كيف سأوفر لأبنائي احتياجات الغد؟

هنا أفكر في قيمة التأثير، وفي المسؤولية التي يحملها كل من يتابعه الناس ويثقون بكلمته. كم هو جميل أن تتحول الشهرة إلى فرصة لمساندة إنسان، وأن يصبح عدد المتابعين قوة تجمع القلوب حول حاجة حقيقية. فهناك من ينتظر مساعدة بسيطة، لكنها في حياته تعني الكثير، وربما تغير يومه ومستقبل أسرته.

وأنا أقدر كل مؤثر يستخدم صوته ليوقظ في الناس الرحمة، ويذكرهم بأن حولنا بيوتًا تخفي تعبها خلف أبواب مغلقة، وأشخاصًا يبتسمون رغم ضيقهم. ليس كل محتاج يمد يده، وليس كل متألم يستطيع أن يشرح وجعه. بعض الناس يمنعهم الحياء، وبعضهم يخاف أن تصبح حاجته حديث الآخرين أو سببًا لجرح أبنائه.

لكنني، وسط فرحتي بمشاهد العطاء، أتساءل: هل يحتاج الخير دائمًا إلى كاميرا؟ وهل يجب أن نرى دموع الإنسان حتى نصدق أنه يستحق المساعدة؟ يؤلمني أن يقف محتاج أمام التصوير مرتبكًا، مطالبًا بأن يحكي تفاصيل ألمه، أو يكرر كلمات الشكر، بينما كل ما يتمناه أن يأخذ حاجته ويعود إلى بيته مستورًا.

أتخيل طفلًا يشاهد زملاؤه مقطعًا يظهر فقر أسرته، أو أمًا تنتشر صور بيتها دون أن تدرك إلى أين ستصل. قد تنتهي الزيارة وتنطفئ الكاميرا، لكن أثر المشهد يبقى معهم. لذلك أتمنى أن نسأل أنفسنا قبل النشر: لو كنا مكانهم، كيف نحب أن يساعدنا الآخرون؟ وما الذي نرضى أن يعرفوه عنا؟

يمكننا أن ندعو إلى الخير، ونوضح الاحتياج، ونوثق وصول الدعم، مع احترام خصوصية أصحابه. ويمكن للكلمة الصادقة أن تحرك القلوب دون كشف الوجوه أو إحراج الأسر. وحتى عندما يوافق الإنسان على التصوير، علينا أن نتأكد أن موافقته نابعة من ارتياحه، وأنه يعلم أن رفضه لن يحرمه من المساعدة التي يحتاجها.

والمسؤولية أيضًا أن يتحقق المؤثر من الحالة قبل عرضها، وأن يتعاون مع الجهات المعتمدة، ويوضح للمتبرعين أين تذهب مساهماتهم. الثقة أمانة، والتعاطف وحده لا يكفي لإدارة العطاء. الناس تقدم من مالها لأنها تؤمن بالرسالة، ومن حقها أن تطمئن، ومن حق المحتاج أن يصل إليه الدعم دون استغلال أو وعود معلقة.

وأتمنى أن يمتد الاهتمام إلى ما بعد المقطع. ماذا حدث لهذه الأسرة بعد شهر؟ هل احتاج الأب إلى فرصة عمل؟ هل تستطيع الأم تسويق ما تصنعه؟ هل يحتاج الابن إلى تدريب يساعده على الاستقلال؟ أحيانًا تكون مشاركة مشروع صغير، أو فتح باب رزق، مساعدة يستمر أثرها سنوات وتمنح صاحبها الثقة.

كما أتمنى أن يجد الأشخاص ذوو الإعاقة وأسرهم حضورًا يحترم قدراتهم وحقوقهم، ويعبر عن احتياجاتهم كما يحددونها هم. فقد تكون المساندة في إتاحة تعليم، أو توفير وسيلة تواصل، أو تهيئة فرصة عمل. الأجمل أن نستمع إليهم، وأن نتيح لهم المشاركة في القرار، وأن نرى الإنسان كاملًا، بأحلامه وصوته واختياراته وطموحاته.

في النهاية، أحب أن أرى المؤثر قريبًا من الناس، يشعر بهم ويستخدم حضوره ليترك أثرًا طيبًا. الشهرة فرصة، والرحمة اختيار، وصون الكرامة مسؤولية. وما أجمل أن ينام إنسان مطمئنًا لأننا خففنا عنه، دون أن يخشى نظرات الآخرين غدًا. فالخير الذي يسعدني هو الذي يطعم جائعًا، ويستر بيتًا، ويحفظ لصاحبه عزته

الدكتورة هلا السعيد

يشارك:
إعلان 3