جودة الحياة وصياغة الذات: كيف تُعيد الإنسان إلى مساره الصحي؟ بقلم الأستاذة نوف الدوسري
إيسايكو: جودة الحياة وصياغة الذات: كيف تُعيد الإنسان إلى مساره الصحي؟ بقلم الأستاذة نوف الدوسري تشير جودة الحياة في الوقت الراهن إلى أكثر من مجرد مستوى معيشه مريح أو تلبية للحاجات المادية الأساسية؛ فقد أصبح المفهوم يرتب
إيسايكو: جودة الحياة وصياغة الذات: كيف تُعيد الإنسان إلى مساره الصحي؟ بقلم الأستاذة نوف الدوسري

تشير جودة الحياة في الوقت الراهن إلى أكثر من مجرد مستوى معيشه مريح أو تلبية للحاجات المادية الأساسية؛ فقد أصبح المفهوم يرتبط بقدرة الفرد على صياغة ذاته، وتوازن أدواره اليومية، وتطوير صحته النفسية والاجتماعية. وفي ظل التأثيرات المتسارعة للتكنولوجيا، وضغوط العمل، وتداخل المسؤوليات الأسرية، بات الإنسان المعاصر أمام تحدٍّ حقيقي للحفاظ على معنى الحياة وعمقها، وليس فقط الاستمرار فيها. ومن هنا تتحدد أهمية فهم جودة الحياة بوصفها عملية ديناميكية تساهم في توجيه الإنسان نحو ذاته الحقيقية، وإعادة بناء أهدافه واختياراته بما يحقق الرفاه والنمو الإنساني المستدام.
إن جودة الحياة ليست حالة يتم الوصول إليها مرة واحدة، بقدر ما هي مسار طويل تتداخل فيه سلسلة من الخبرات والمواقف والتجارب اليومية. فالإنسان لا يصنع رفاهه النفسي عبر ظروف مثالية فقط، بل عبر قدرته على التعامل مع المتغيرات، وإعادة تفسيرها، واختيار ردود فعل أكثر اتزانًا، بحيث تتحول الضغوط اليومية إلى مساحات للتعلم والنمو، بدلًا من أن تكون مجرّد عوامل استنزاف. وهنا تتشكل جودة الحياة كعملية واعية يعيد الفرد من خلالها تنظيم ذاته وتحديد ما يستحق الاهتمام، وما يجب تجاوزه حتى يظل قريبًا من اتزانه الداخلي واحتياجاته العميقة.
ويُقصد بصياغة الذات قدرة الإنسان على إعادة تشكيل هويته وأدواره بما يتوافق مع متطلباته الداخلية واهتماماته الحقيقية، بدلًا من الانسياق خلف توقعات بيئة العمل أو ضغوط المجتمع أو تجارب الآخرين. إن هذه العملية تتطلب إدراكًا واعيًا بما يريده الفرد لنفسه، وإلى أي مدى يستطيع تغيير مساراته السابقة نحو خيارات تحقق له الشعور بالمعنى والقبول الذاتي، دون أن يفقد اتصاله بالمحيط الاجتماعي والأسري. ومن هنا، تتقاطع صياغة الذات مع جودة الحياة بوصفهما عمليتين متداخلتين تهدفان في جوهرهما إلى تعزيز الرفاه الإنساني وتحقيق الاستقرار النفسي.
وحين يشعر الفرد بأنه يعيش حياة ذات قيمة ويقود ذاته باقتناع داخلي، يصبح أكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع محيطه، وأكثر ميلًا إلى الانخراط في أنشطة اجتماعية بنّاءة تعزز الانتماء والشعور بالأمن النفسي. فالتوازن بين الذات والآخرين يشكّل حجر الزاوية في جودة الحياة، ويعيد للفرد إحساسه بالمعنى داخل علاقاته الاجتماعية والعائلية والمهنية، وهو ما يقلل من شعور العزلة والتوتر ويزيد من فرص النمو النفسي والاجتماعي.
وهكذا يتضح أن تأسيس جودة حياة حقيقية ليس مشروعاً مرتبطاً بوقت محدد أو مرحلة عمرية معينة، بل هو بناء مستمر يتطلب مراجعة الذات والسلوك والعلاقات، وفهم المعاني العميقة للحياة بعيداً عن الصيغ التقليدية للنجاح. وعندما يدرك الإنسان قدرته على صياغة ذاته بصورة أكثر وعيًا واتزانًا، فإنه بذلك يضع أسساً راسخة لمسار صحي يتجاوز الضغوط والمتغيرات، ويقوده نحو حياة أكثر عمقًا وامتلاءً، وأقرب لأن تكون انعكاسًا لتطلعاته الإنسانية الأصيلة.
الأستاذة نوف خليفة الدوسري
Leave a comment
Your email address will not be published. Required fields are marked *