إيسايكو: المراهق ليس مشكلة… بل رسالة تحتاج إلى فهم … بقلم الأستاذة نوف الدوسري
مقال بقلم الأستاذة نوف الدوسري من الكويت
إيسايكو: المراهق ليس مشكلة… بل رسالة تحتاج إلى فهم … بقلم الأستاذة نوف الدوسري

كثيراً ما يُنظر إلى مرحلة المراهقة بوصفها مرحلة مليئة بالمشكلات السلوكية والتحديات التربوية، إلا أن الفهم النفسي الحديث يؤكد أن المراهق في جوهره لا يمثل مشكلة، بل يمر بمرحلة نمو طبيعية تتسارع فيها التغيرات النفسية والانفعالية والاجتماعية، فيزداد خلالها بحثه عن الاستقلال، وتتعمق رغبته في إثبات ذاته وبناء هويته الخاصة. وفي كثير من الأحيان تظهر بعض السلوكيات التي تثير قلق الأسرة لا لأنها انحراف مقصود، بل لأنها محاولة غير ناضجة للتعبير عن احتياجات داخلية مثل الحاجة إلى التقدير، أو الشعور بالانتماء، أو الرغبة في أن يُؤخذ رأيه بجدية.
وعندما يواجه المراهق هذه التغيرات دون أن يجد مساحة آمنة للحوار أو من يفهم ما يمر به، قد يلجأ إلى أساليب تعبير قد تبدو تمرداً أو رفضاً للتوجيه، بينما هي في حقيقتها رسالة تبحث عمّن يصغي إليها. فالمراهق الذي يشعر بأن صوته مسموع داخل أسرته يكون أكثر هدوءاً واستقراراً، وأكثر استعداداً لتقبل التوجيه، لأن العلاقة المبنية على الثقة تقلل من الحاجة إلى الصراع وتفتح المجال للتفاهم التدريجي.
إن بعض المظاهر التي تقلق الوالدين، مثل الرغبة في تكوين صداقات جديدة، أو الميل إلى الخصوصية، أو الاهتمام باهتمامات مختلفة عن الأسرة، تعد في كثير من الأحيان جزءاً طبيعياً من عملية تكوين الهوية الشخصية، وهي خطوة ضرورية لينتقل الفرد تدريجياً من الاعتماد الكامل على الأسرة إلى الاستقلال المسؤول. غير أن غياب المتابعة الواعية أو ضعف التواصل الأسري قد يجعل المراهق يبحث عن هذا الشعور بالانتماء خارج الإطار الآمن للأسرة، وهو ما قد يزيد من احتمالية تأثره ببعض السلوكيات غير المناسبة.
ومن هنا فإن التعامل التربوي الأكثر فاعلية مع المراهقين لا يقوم على التشدد أو التساهل المطلق، بل على التوازن بين الحزم والاحتواء؛ فوجود قواعد واضحة يمنح المراهق شعوراً بالاستقرار، بينما يمنحه الاحتواء النفسي مساحة للتعبير عن أفكاره ومشاعره دون خوف من الرفض. كما أن إشراكه في بعض القرارات التي تخص حياته اليومية يعزز شعوره بالمسؤولية ويجعله أكثر تعاوناً في الالتزام بالضوابط الأسرية.
إن المراهقة ليست أزمة بقدر ما هي فرصة تربوية ثمينة، فكلما استطعنا أن نقرأ سلوك المراهق على أنه رسالة تحتاج إلى فهم لا مشكلة تحتاج إلى صدام، تحول التحدي التربوي إلى مساحة للنمو وبناء الثقة، وساعدنا أبناءنا على عبور هذه المرحلة بثبات نحو نضج نفسي واجتماعي أكثر توازناً وقدرة على اتخاذ قرارات مسؤولة في مستقبلهم.
الأستاذة نوف خليفة الدوسري