المرونة النفسية كركيزة للصحة النفسية المستدامة: نحو بناء توازن نفسي طويل الأمد … بقلم الأستاذة نوف الدوسري
مقال جديد بقلم الأستاذة نوف الدوسري من الكويت
إيسايكو: المرونة النفسية كركيزة للصحة النفسية المستدامة: نحو بناء توازن نفسي طويل الأمد … بقلم الأستاذة نوف الدوسري

تشهد المجتمعات المعاصرة تسارعًا ملحوظًا في وتيرة التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية، مما انعكس بشكل مباشر على الصحة النفسية للأفراد، خاصة في ظل تنامي الضغوط الحياتية وتعدد مصادر القلق والتوتر. في هذا السياق، برز مفهوم المرونة النفسية بوصفه أحد المفاهيم المحورية التي تسهم في تمكين الفرد من التكيف مع التحديات واستعادة توازنه النفسي، بما يدعم تحقيق الصحة النفسية المستدامة.
تشير المرونة النفسية إلى قدرة الفرد على التكيف الإيجابي مع الضغوط والصعوبات، واستعادة التوازن النفسي بعد التعرض للمواقف الضاغطة، بل والتعلم منها وتحويلها إلى فرص للنمو. ولا تقتصر هذه القدرة على مجرد التحمل، بل تشمل مهارات متعددة مثل تنظيم الانفعالات، وإعادة تفسير المواقف، واستخدام استراتيجيات فعّالة في مواجهة التحديات، وهو ما يعزز من قدرة الفرد على الاستمرار بثبات رغم التقلبات.
أما الصحة النفسية المستدامة، فترتبط بقدرة الفرد على الحفاظ على مستوى متوازن من الرفاه النفسي عبر الزمن، رغم ما قد يواجهه من ضغوط وتغيرات. وهي تتجاوز مفهوم غياب الاضطرابات النفسية، لتشمل الشعور بالرضا عن الحياة، والقدرة على الإنجاز، وبناء علاقات إيجابية، والتكيف المستمر مع متطلبات الحياة.
تتضح أهمية المرونة النفسية في كونها تمثل الأساس الذي يستند إليه الفرد للحفاظ على توازنه النفسي على المدى الطويل؛ فكلما ارتفعت مستويات المرونة، زادت قدرة الفرد على التعامل مع الأزمات بطريقة أكثر وعيًا واتزانًا، وانخفضت احتمالية تأثره السلبي بالضغوط. كما تسهم المرونة في تعزيز الشعور بالكفاءة الذاتية، وتدعم القدرة على اتخاذ قرارات أكثر اتزانًا في المواقف الصعبة.
وتسهم عدة عوامل في تنمية المرونة النفسية، من أبرزها وجود شبكة دعم اجتماعي داعمة، وتنمية مهارات التفكير الإيجابي، والقدرة على حل المشكلات، إضافة إلى الشعور بالمعنى والهدف في الحياة. كما تلعب الأسرة والمؤسسات التعليمية دورًا مهمًا في تعزيز هذه القدرة من خلال توفير بيئة آمنة وداعمة، وتشجيع التعبير عن المشاعر، وتنمية مهارات التكيف لدى الأفراد منذ مراحل مبكرة.
من الناحية التطبيقية، يمكن تعزيز المرونة النفسية من خلال برامج إرشادية وتوعوية تستهدف تنمية مهارات التكيف وتنظيم الانفعالات، وتعزيز الوعي بالذات، وتدريب الأفراد على التعامل مع الضغوط بطرق صحية. كما أن إدماج هذه البرامج ضمن البيئة التعليمية يسهم في إعداد أفراد أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة بكفاءة واستقرار.
في ضوء ذلك، تمثل المرونة النفسية حجر الأساس في تحقيق الصحة النفسية المستدامة، فهي قدرة دينامية قابلة للنمو والتطوير، وليست سمة ثابتة. ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في تنميتها على المستويين الفردي والمؤسسي، بما يسهم في بناء توازن نفسي طويل الأمد وتعزيز جودة الحياة.
الأستاذة نوف خليفة الدوسري