إيسايكو: النظرة سر البقاء … بقلم الدكتور أحمد لطفي شاهين

هناك حكمة صينية قديمة تقول: الكلب ينظر إلى العصا، والذئب ينظر إلى اليد التي تحملها، أما الثعلب فينظر إلى العينين.
هذه الحكمة الخطيرة لا تتحدث عن الحيوانات، بل تكشف طبقات الوعي عند البشر.
فالكلب يرى الأداة؛ ينشغل بالفعل الظاهر فقط، يهاجم العصا وينسى من يحرّكها. وهذا حال من يعيش ردّات الفعل فقط، غاضبًا من النتائج ، غافلًا عن الأسباب.
أما الذئب فهو أعمق نظراً ؛
يرى الفاعل، يفهم من أين جاء الأذى، و يهاجم الفاعل لكنه يبقى أسيراً للصراع المباشر، قوةٌ تقابل قوة..
بينما الثعلب، ينظر إلى العينين؛ إلى النيّة قبل الحركة، إلى القرار قبل الفعل، إلى الفكرة قبل أن تصبح عصا أصلا ،وهنا يكون الذكاء الحقيقي ، والدهاء ، أن تقرأ ما لم يحدث بعد ،وان تفهم وتتوقع ما سيحدث قبل أن يحدث ، وان لا تقع في الفخ من الأساس حتى لا تضطر ان تبحث عن طريقة تخرج بها من الفخ، انها استراتيجية الثعلب عندما يكون الخصم أقوى منك كثيراً،
هذه الحكمة القديمة تقول لك بهدوء : يجب أن تختار الطريقة التي تنظر بها إلى الأمور حتى تنجح في حياتك ، اذ ليس كل من فهم الخطر نجا، ولا كل من رأى اليد انتصر، الناجي الوحيد هو من يفهم العقل الذي قرر أن يرفع العصا
ان النظرة للحياة تتغير من خلال تحول فكري ونفسي عميق، يعتمد بشكل أساسي على تبني الإيجابية، وقبول التغيير، والاقتناع انه لا شيء ثابت في الدنيا ، وأن المصاعب مؤقتة وليست دائمة. ويحدث هذا التغيير في النظرة عبر التركيز على التعلم وتطوير الذات، مما يمنح حياتك معنى جديداً ويزيد من الرضا النفسي.
ومن أبرز العوامل التي تغير نظرتك للحياة:
1- تبني العقلية الإيجابية: بحيث تتعامل مع الأزمات كتحديات وفرص للنمو بدلاً من كونها كوارث، مما يقلل من التوتر ويزيد الرضا.
2- الامتنان والشكر والتركيز على ما تملكه بدلاً من التحسر على ما تفتقده وهذا يغير رؤيتك للأمور بشكل أفضل.
3- عش اللحظة بوعي تام وتوقف عن القلق المفرط بشأن المستقبل أو الغرق في الماضي، واستمتع بيومك الحالي.
4- المرونة وتقبل التغيير: إن إدراك أن " لا شيء يدوم " يساعدك على تجاوز المشاعر السلبية بسرعة والاستمتاع بالأوقات الطيبة.
5- التطور الشخصي والتعلم باستمرار، فاكتشاف قدراتك الشخصية، وتعلّم مهارات جديدة، والقراءة لتوسيع مداركك. والتعلم من التجارب القاسية: المرض، الغربة، أو فقدان عزيز.. كلها تجارب تغير منظورك للحياة بشكل جذري، وتجعلك أكثر تقديراً للنعمة
6- الابتعاد عن السلبية وتجنب الأشخاص والبيئات السامة التي تستنزف طاقتك، ومصاحبة الإيجابيين فقط.
7- الارتباط بالروحانيات: إن تعزيز الجانب الروحي يمنحك شعوراً بالسلام الداخلي فاستمع الى القرآن الكريم واقرأ تاريخ الناجحين الشرفاء ولا تقارن نفسك بالآخرين، بل ركز على إنجازاتك الشخصية ورحلتك خلال سنوات حياتك.
إن تغيير النظرة للحياة عملية تدريجية تبدأ بقرار عقلي، ويمكن تعزيزها من خلال الممارسات اليومية كالتأمل، الرياضة، والامتنان والاستمرار في الحياة بأمل وتفاؤل ، والاستفادة القصوى من تجارب وخبرات الآخرين
واذا تكلمنا عن النظرة بشكل عملي على مستوى سياسات الدول.. فالصين والمانيا مثلا تنظران الى النفايات والمجاري على انها موارد يجب الاستفادة منها واستثمارها لدرجة انهم يشتروا النفايات من دول اخرى . . بينما نحن ننظر للنفايات انها زبالة او قمامة، ومشكلة بيئية ونبحث عن طرق للتخلص منها ونخسر الملايين في علاج آثارها واضرارها البيئية ، وهذا اهم فارق في التطور التنموي بين العالم كله وبين الصين بالذات
إن السر في النظرة
حتى في العلاقات الإنسانية فإن النظرة الأولى إذا استمرت كما هي .. تبقى العلاقة ولكن إذا تغيرت نظرتك لإنسان بسبب تصرفاته فإن العلاقة تنتهي للأبد.. ليس كراهية وانما ندما على نظرة لا يستحقها ولم تكن في مكانها .. اختم مقالي بقصة طريفة حصلت في دولة متخلفة حيث كان هناك حفرة عميقة وكان كل عدة ايام يسقط فيها انسان ويعلنوا الطواريء لانقاذه ثم قرروا ان يجتمعوا لوضع حلول للحفرة وتبادلوا الاقتراحات والاتهامات وأخيرا اتفقوا على ان يردموا الحفرة ويحفروا حفرة بديلة بجوار المستشفى حتى تكون إجراءات الانقاذ اسهل واسرع .. وللقصة ابعاد أخرى حسب نظرتك إليها أنت أيضا ايها القاريء
وللمقال كله اهداف اجتماعية وتربوية ارجو ان تنظروا إليها بقلوبكم وعقولكم
الدكتور أحمد لطفي شاهين