`
تفكك المعنى لدى المراهق في العصر الرقمي: مدخل لفهم السلوك العدواني الخفي

تفكك المعنى لدى المراهق في العصر الرقمي: مدخل لفهم السلوك العدواني الخفي

مقال بقلم الأستاذة نوف الدوسري من الكويت

إيسايكو: تفكك المعنى لدى المراهق في العصر الرقمي: مدخل لفهم السلوك العدواني الخفي

 

img-0063.png

 

تُعد مرحلة المراهقة من أكثر المراحل حساسية في حياة الفرد، حيث تتشكل خلالها ملامح الهوية وتتبلور القيم والمعاني التي توجه السلوك. غير أن هذا المسار لم يعد يسير في إطاره التقليدي، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي أعادت تشكيل مصادر التأثير، وفرضت واقعًا جديدًا يعيش فيه المراهق بين عالمين: واقعي محدود، وافتراضي واسع ومفتوح.

في هذا السياق، يبرز مفهوم “تفكك المعنى” بوصفه أحد التفسيرات العميقة للتحولات النفسية لدى المراهق، حيث يفقد الفرد القدرة على بناء تصور متماسك عن ذاته، أو إدراك واضح لهدفه واتجاهه في الحياة. وقد أشار فرانكل إلى أن غياب المعنى يقود إلى ما يسمى بالفراغ الوجودي (Frankl, 1963)، كما يرى إريكسون أن اضطراب الهوية في هذه المرحلة قد يؤدي إلى حالة من التشتت والضياع (Erikson, 1968). وفي البيئة الرقمية، تتضاعف هذه الإشكالية نتيجة التعرض المستمر لمحتوى متباين، والمقارنة الاجتماعية الحادة، والسعي وراء قبول افتراضي سريع وغير مستقر.

هذا التفكك الداخلي لا يبقى محصورًا في الجانب النفسي، بل قد ينعكس في أنماط سلوكية غير مباشرة، من أبرزها ما يمكن تسميته بـ”السلوك العدواني الخفي”. فالمراهق قد لا يعبر عن توتره بشكل صريح، بل يظهره عبر التنمر الإلكتروني، أو السخرية غير المباشرة، أو الانسحاب المصحوب بعدائية داخلية. وتفسر نظرية الإحباط–العدوان هذه العلاقة، حيث يتحول الإحباط الناتج عن عدم إشباع الحاجات النفسية إلى سلوك عدواني (Dollard et al., 1939).

كما أن المراهق في العصر الرقمي يعيش مفارقة نفسية واضحة؛ فهو متصل بالآخرين بشكل دائم، لكنه يعاني في الوقت ذاته من ضعف في الروابط الحقيقية، مما يعمق الشعور بالوحدة ويزيد من هشاشة البناء النفسي. ويؤدي ذلك إلى الاعتماد على التقدير الخارجي، وضعف الضبط الذاتي، وصعوبة تحمل الإحباط، وهي جميعها عوامل تمهد لظهور سلوكيات غير متزنة.

إن معالجة هذه الظاهرة لا تقتصر على تقليل استخدام التكنولوجيا، بل تتطلب إعادة بناء المعنى في حياة المراهق من خلال تعزيز الحوار الأسري، ودعم التجارب الواقعية ذات القيمة، وتنمية التفكير النقدي تجاه المحتوى الرقمي. فالمعنى لا يُمنح، بل يُبنى عبر الخبرة والوعي والتوجيه.

في ضوء ذلك، يصبح فهم “تفكك المعنى” مدخلًا أساسيًا لتفسير السلوك العدواني الخفي لدى المراهقين، والانتقال من التعامل مع السلوك الظاهر إلى معالجة جذوره النفسية العميقة، بما يسهم في بناء جيل أكثر توازنًا وقدرة على التكيف مع تحديات العصر الرقمي.

الأستاذة نوف الدوسري

 

يشارك:
إعلان 3