`
حين يصبح الصمت صرخة … بقلم الأستاذة نوف الدوسري

حين يصبح الصمت صرخة … بقلم الأستاذة نوف الدوسري

مقال بقلم الأستاذة نوف الدوسري من الكويت

إيسايكو: حين يصبح الصمت صرخة … بقلم الأستاذة نوف الدوسري


 

ليس كل ألمٍ يُقال، ولا كل معاناةٍ تجد طريقها إلى الكلمات. أحيانًا يكون الإنسان محاطًا بالناس، يبتسم، يشاركهم الحديث،ويؤدي أدواره اليومية بصورة طبيعية، بينما في داخله شيءٌ آخر تمامًا؛ تعبٌ لا يُرى، وخوفٌ لا يُقال، وأسئلةٌ تتراكم بصمت.

 

img-0237.png


 

الصمت ليس دائمًا دليلًا على الهدوء. فقد يكون أحيانًا وسيلة للدفاع عن النفس، أو محاولة لتجنب المواجهة، أو نتيجةلشعورٍ بأن الحديث لن يغيّر شيئًا. وقد يصمت الإنسان لأنه لا يعرف كيف يصف ما يشعر به، أو لأنه اعتاد أن يسمع عباراتمثل: «لا تبالغ»، «الأمر بسيط»، أو «غيرك يعاني أكثر». ومع تكرار ذلك، يتعلم أن يحتفظ بما يؤلمه لنفسه.


 

لكن المشاعر التي لا تجد مساحةً آمنة للتعبير لا تختفي بالضرورة. قد تظهر في صورة غضب مفاجئ، أو عزلة، أو فتور، أوحساسية مفرطة، أو تغير في السلوك والعلاقات. وأحيانًا نركز على السلوك الظاهر وننسى أن نسأل: ماذا حدث لهذا الإنسانحتى أصبح يتصرف بهذه الطريقة؟


 

هذه المسألة تصبح أكثر أهمية عندما نتحدث عن الأطفال والمراهقين. فالطفل الذي يثور باستمرار قد لا يكون «مشاغبًا» فقط، والمراهق الذي ينسحب من أسرته قد لا يكون «عنيدًا» بالضرورة. خلف بعض السلوكيات مشاعر لم تُفهم بعد: شعوربالرفض، أو خوف من الفشل، أو تنمر، أو ضغط دراسي، أو مقارنة مستمرة بالآخرين، أو إحساس بأنه غير مسموع داخلبيئته.


 

وهنا تكمن أهمية الاحتواء النفسي. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يقدم له الحلول، بقدر حاجته أحيانًا إلى شخص يسمعهدون حكم، ويمنحه مساحة للتعبير دون استهزاء أو تقليل من مشاعره. سؤال بسيط مثل: «ماذا تشعر؟» قد يكون أكثرقيمة من عشرات النصائح، إذا صاحبه إنصات حقيقي واهتمام صادق.


 

وفي عصر الشاشات، أصبح الصمت أكثر تعقيدًا. نرى حياة الآخرين في صور تبدو مثالية، ونقارن كواليس حياتنا بلحظاتهمالمختارة بعناية. قد يزداد الشعور بالوحدة رغم كثرة التواصل، وقد يصبح الإنسان حاضرًا إلكترونيًا وغائبًا نفسيًا. ولهذا لاينبغي أن نقيس سلامة الإنسان بعدد ضحكاته أو منشوراته أو تفاعلاته؛ فبعض أكثر الأشخاص ظهورًا قد يكونون أكثرهمحاجة إلى من يلاحظ ما وراء الصورة.


 

إن الوعي النفسي يبدأ حين نتوقف عن الحكم السريع على الآخرين. بدل أن نقول: «لماذا تغير؟» يمكن أن نسأل: «ماذا يمربه؟». وبدل أن نصف شخصًا بأنه ضعيف أو حساس، قد نحاول فهم التجربة التي جعلته بهذه الدرجة من التأثر.


 

كما أن التعبير عن المشاعر لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره ضعفًا. طلب المساندة، والحديث عن الضيق، ووضع الحدود،والاعتراف بالتعب كلها صور من الوعي بالنفس. القوة ليست في أن يتحمل الإنسان كل شيء بصمت، وإنما في أن يعرف متىيحتاج إلى أن يتحدث، ومتى يحتاج إلى المساعدة، ومتى يكون الاستمرار في الصمت عبئًا عليه.


 

قد لا نستطيع إزالة آلام الآخرين، لكننا نستطيع أن نكون أكثر لطفًا في التعامل معها. كلمة صادقة، إنصات بلا مقاطعة،سؤال في الوقت المناسب، أو حضور يشعر الإنسان بأنه ليس وحده؛ أشياء بسيطة في ظاهرها، لكنها قد تفتح نافذة فيجدارٍ ظل مغلقًا طويلًا.


 

وفي النهاية، علينا أن نتذكر أن الصمت لغة أيضًا. بعض الصمت راحة، وبعضه حكمة، لكن بعضه الآخر استغاثة مؤجلة. وحين يتغير شخصٌ أمامنا، أو ينسحب، أو يغضب بصورة لا نفهمها، قد يكون من الأفضل ألا نسأل فقط: «ماذا يفعل؟» بلأن نسأل أيضًا: «ماذا يحاول أن يقول دون كلمات؟».


 

فأحيانًا… يكون أعلى صوت في الإنسان هو ذلك الذي لا يسمعه أحد.


 

الأستاذة نوف خليفة الدوسري

يشارك:
Epsycho Epsycho

إعلان 3